الشيخ محمد الصادقي

59

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

استلابا عنه بتردد والتماس ، ف « راوَدْتُهُ . . عَنْ نَفْسِهِ » استلاب نفسه عنه حتى لا يملكها وهي تملكها فتفعل ما تشاء . فقد احتالت له مرارا وتكرارا في قولة وفعلة ، مراودة إياه عن نفسه رغم تمنّعه وتمعّنه فيما تهوى ، فلم تنجح لما تهوى فان نفسه كانت مربوطة متعلقة بعصمة إلهية مطمئنة باللّه ، راضية عن اللّه مرضية عند اللّه . فكيف تراود عنه ؟ اللهم إلّا ألّا يرى برهان ربه وقد رأى ! ولكي تسد أمامه كل ثغرات الفرار ، وكافة الأعذار « وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ » وعلّها أبواب الفرار إلى باب الدار حيث « أَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ » دون الأبواب ، أم وإذا كانت لمخرج البيت أبواب ، فلا يكمل الهدف - فقط - بإغلاقها ما دامت أبواب الأعذار باقية للفرار ، إذا ف « غَلَّقَتِ الْأَبْوابَ » تعم كافة الأبواب ، التي يدخل منها ويخرج عنها ، فلم يبق باب لعذره إلّا مغلقة ، والشهوة في الشاب والشابة حاضرة ، والموانع في ميزانها زائلة ، ولكنها - بعد - لم تنجح في بغيتها فرأت فيه تأبيّا وصمودا ، فعندئذ صرخت عليه « وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ » والأرجح أنها من أسماء الصوت العجاب وقد تعني هاه هاه ! ويلك ويلاك ! من ذلك الصمود كالحجر الصّلد ، والجبل الشامخ الصلب ، لا تحركه العواصف ولا تزيله القواصف ، لا يتحسس لها ولا يميل إليها ولا يكلّمها في كل هذه الطائلات الغائلات ، إلّا كلمة تكلمها ، وتفتح كافة الأبواب التي غلقّتها : قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ( 23 ) . إنه في هذه المرحلة التائهة الحساسة لا يسايرها في معاذ ليقول : معاذ العزيز حيث أحسن مثواي ، فما العزيز بعزيز أمام ربه العزيز ، فإنما « مَعاذَ اللَّهِ » فقط لا سواه ، مهما اعترفت به العزيزة أم أنكرت ، والبيت بيت الشرك والشهوة ، جوّ لا منفذ فيه لتوحيد اللّه ، ولكن يوسف هو الآن كما